الفنان المخرج ” سعدي يونس ” : ملحمة ” جلجامش ” مسرحية عمرها ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد .
نريد ان نثبت للعالم قدرات الفنان العربي علي ايصال فكرنا.. ..الاصالة العربية بها خيالات عجيبة ، وبحور كاملة للمعرفة والابداع الفني . .. العالم عندي مسرح كبير . .. نريد ان نضع الثقافة الحقيقية في خدمة الناس البسطاء..

حوار / ثناء عبد العظيم
فنان عراقي متعدد المواهب كاتب وممثل ومخرج بدأ التمثل منذ سن السابعة في الاذاعة .. وحصل علي شهادة ليسانس الحقوق من جامعة بغداد درس في عدة معاهد للتمثيل المسرحي والاخراج السينمائي في العراق .. وانهي دراسة الدكتوراه في الادب المسرحي في باريس ..انه الدكتور ” سعدي يونس ” الذي اسس مسرح الشارع منذ عام 1972واخرج عدة مسرحيات منها ” يوميات مجنون ” للكاتب غوغول ، وصوت مصر ” للكاتب الفريد فرج “وحكاية الفلاح عبد المطيع ” للسيد حافظ .قام بتدريس السينما العربية في جامعة السوربون ، واخرج وكتب العديد من المسرحيات منها “ملحمة جلجامش.”، و”الليل والمجنون” لجبران خليل جبران . مثل الدور الرئيسي في فيلم سبع رحلات في عمان ” .. والان يعد فيلما عن لبنان ” ملحمة لبنانية ” وآخر عن حياة الشباب في فرنسا .” ستاتي الاحلام “التقيت به في ملتقي الشارقة الخامس للمسرح العربي فماذا قدم ؟

يقول الفنان الدكتور ” سعدي يونس ” قدمت اول ملحمة في التاريخ ” جلجامش ” التي تعود الي حوالي ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون سنة قبل الميلاد .. وجدت في القرن التاسع عشر في العراق واكتشفها علماء الاثار وترجمت الي العربية واللغات الحية الاخري .. اندهش العالم بهذه الحضارة القديمة التي اعطت البشرية اولي بذور المعرفة من ضمنها الكتابة المسمارية التي تعد اولي كتابات العالم . ومن خلال هذه الملحمة اكتشفنا اشياء كثيرة عن سومر وحضارة العراق القديم ،وبناء المدن الاولي للانسان ورموز روحية خطيرة وشديدة الاهمية من ضمنها “اوتو ناقشتم” السومرية اي الرجل القادم من بعيد وهذا الرمز اخذ فيما بعد بالعديد من الكتب السماوية وهو رمز للنبي نوح .. تكلمنا هذه الشخصية عن الطوفان وكيف انقذ البشرية من الموت الاكيد .. والمفهوم الاول للجنة ، ونبات الخلود في السماء .. نجد مفهوم البقرة يتحدث عنها لاول مرة ، وتحولت فيما بعد الي رمز ديني مهم جدا في الاسلام واليهودية وعند الهنود وفي ديانات اخري . نجد ان الانسان خلق من التراب ويعود الي التراب . مفاهيم كثيرة ومتعددة لاول مرة ولذلك فان هذه الملحمة قد أعطت للانسانية حضارة كبيرة لفهم جذورنا ومن لم يفهم ماضيه لا يفهم حاضره ومستقبله .

هل اخذت النص القديم في حكاية ” جلجامش ” وعرضتها بصورة عصرية ؟
أخذت روح النص وترجمته واعدت كتابته باللغتين الفرنسية والعربية في منتصف الثمانينات..استخدم الخط العربي في كتاباتي بشكل كبير واستعين بخطاطين كبار يقيمون في فرنسا علي خشبة المسرح .. عملت لمدة عام علي انجاز هذا العمل قبل ان الجأ الي مغامرة عرضه علي المسرح . ومن الاهمية ان نعود الي جذور المسرح الاولي ، وهي اقدم بكثير من المسرح الاغريقي وبداياته كما يعتقد كثير من الناس .. لقد اعطت الحضارة السومر القديمة وحضارة الفراعنة العظيمة وحضارة الهند والصين بدايات المسرح العالمي الحقيقية والتي أثرت الانسانية ..والدليل علي ذلك ان المسرح الحديث يستخدم بعض عناصرالحضارة الهندية والسومرية والصينية في اعمال حديثة .. لكن مسرحنا يأخذ من الينابيع ويبقي انسان اليوم وابداعاته هو المهم .. والخطورة ان نبقي علي الماضي الذي خلقوه لنا اجدادنا ، وعلينا أن نستلهم هذه القواعد ونستفيد منها في اعمالنا الفنية .
من ذلك نقول ان المسرح خلقته الحضارات القديمة قبل أن نعرفه من الغرب ؟
من المؤكد أن المسرح جاء من المعتقدات الدينية والاحتفالات بدليل موت الحسين عليه السلام الذي تحول فيما بعد الي طقوس دينية بدون تاثير المسرح الاغريقي عليه .. الانسان بطبيعته ممثل والاحتفالات الدينية الاولي في الملاحم الشرقية تعد مسرحا ، كذلك عند الفراعنة في ملحمة ” ايزيس “. المسرح جاء من هذا المنهل الروحي الكبير،والانسان يبدع وهو يمثل هذه الاساطير الدينية . ولا ننسي ان الآشوريين والبابليين كانوا يخرجون من المعبد الي طرقات بابل والمدينة القديمة جلجامش يمثلون شخصيات ويلبسون الاقنعة ويعزفون الموسيقي وهذا هو بداية المسرح منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، في حين ان المسرح عرف عند اليونان منذ اربعمائة عام قبل الميلاد .. نحن ولدنا في هذه المنطقة وعلينا ان نعرف اهمية حضارتنا ، ولا ننسي المسرح بشكله المعاصر الذي يحتوي علي عدة فصول .. صحيح انه تطور مع الاغريق الي حد ما ، لكن التأثير الاول للخيال الانساني جاء مع الشرق . حتي في زمن الرسول “محمد “صلي الله عليه وسلم ، كان هناك مسرح وممثلين وشخصيات. ويعتقدون أنه لا مسرح ايام الاسلام ولكنه كان موجودا .. هناك ابداع وخيال ..” المقامان “لبديع الزمان الهمزاني ، و”المعلقات” لامريء القيس كان بها كثير من الحس المسرحي .”و سوق عكاظ” وما كان يقام فيه من مهرجانات شعرية .. وساحة ” الفنا ” في مراقش حيث نجد المسرح والممثلين الرواد .
هل تقوم الان بتجربة اعادة احياء المسرح القديم ؟
احاول النظر الي الماضي بروح معاصرة . وانهل منه واعيد صياغته بابداعي الشخصي ومع اصدقائي التقنيين . نحن نعمل ونقدم أعمال فنية علي مسرح العالم العربي في باريس ، ورومانيا وقدمت اعمالي المسرحية في تونس وعمان .. واعمل مسرحيات حديثة مثل ” يوميات مجنون ” للكاتب الروسي غوغول ، “والليل والمجنون ” للكاتب اللبناني ” جبران خليل جبران “. وسوف نقدم في مهرجان الموسيقي الروحية بمدينة فاس في نيسان القادم ،مسرحية ” الحلاج ” وهوعمل صوفي . ولانني كاتب فانني اشعر بنبض الكلمات وما احتواتها من معاني ..واعتبر نفسي فنان شامل متعدد المواهب لانني عازف موسيقي ومؤلف وشاعر ، وقد صدر مؤخرا كتابي الاخير في باريس ” طفل الجزيرة المتوحش ” باللغتين العربية والفرنسية .
كيف يري الفرنسيون المسرح العربي ؟
الاوروبيون شغوفون بما نقدمه لان هذه الاصالة ربما لا تتوفر في مسرحهم .. والاصالة العربية والشرقية بها خيالات عجيبة .وبحور كاملة للمعرفة والابداع الفني . عملت مسرحية ” بين النيل والاهرام ” عندما احكيها للناس وامثلها يعجبون بها ويدهشون.. ربما تزيل عن الفكر الغربي هذه الغمة بأننا مجرد ارهابيين . نحن نثبت لهم اننا فنانين نفكر في السلام والحب وبحقوق الانسان وبالابداع . وبالحقيقة الانسانية التي يجب ان تعم البشرية كلها بين الشرق والغرب .
هل تاثرت بالمسرح الاوروبي ؟
من منا لم يتأثر بالمسرح الاوروبي ؟ الكثير من الفنانين العرب درسوا المسرح في روسيا وانجلترا وبلجيكا .. الفنان “يوسف وهبي” درس في ايطاليا .. المهم اننا اذا تاثرنا لا نقلد .. وانما نستفيد ونعيد الصياغة .
ماذا تقصد بمسرح الشارع الذي قدمته في السبعينات ببغداد ؟
هو مسرح الجماهير البسيطة التي لا تعرفه بشكل عام .. “مسرح الحكواتي” ..”والفانوس السحري” ” وخيال الظل ” وهذه البدايات الاولي للمسرح . ويجب الا يبقي محصورا بين فئات المثقفين والبرجوازيين . من الضروري أن امرأة الشارع البسيطة حافية القدمين التي لا تملك حذاءها ان تري المسرح وتلعب فيه دورا. ادخلت المسرح الي مقاهي بغداد وهذا النوع من النساء دخلوا الي المقاهي وشاهدوا المسرح باسعار بسيطة وزهيدة .. نريد ان نضع الثقافة الحقيقية في خدمة الناس البسطاء.. اننا كفنانين نبشر بالشيء وندعو اليه الناس ليدخلوا في اللعبة الجميلة ، لان الانسان بدون ثقافة لا يستطيع ان يعيش .. الثقافة اخطر من الخبز ، كلما تثقفنا اكثر كلما بنينا مجتمعا اكثر رقيا .حاولت أن ابذر ثمرات فن واع وراق هو فن المسرح في دروب واقعنا ولجمهورنا العربي الواسع .. ورغم الصعوبات الا أن البذور الحقة تنبت مهما كان جفاف الارض ومحاولات البعض من سحقها .
لماذا يتراجع المسرح في العالم العربي ؟
المسرح في العالم كله يتراجع ويتخبط .. اشكالات المسرح انه لا يوجد الدعم الكافي .. فمثلا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة انسان يتحدث عن المسرح كفيلسوف وعاشق له.. وعلي الحكام العرب أن يتعلموا منه .. المسرح يحتاج الي حرية راي واذا كان الحكام لا يمنحون الفنان حرية الكلمة والنقد فان المسرح يتراجع.. واذا لم تجد الثقافة الدعم والحرية الحقيقية فانها تتراجع . يجب الا يكون المثقف تابعا بل مبدعا ، لو لم يكن هناك حرية في الكلمة ما كان هناك “نزار قباني” “وسعد اردش” ” وتوفيق الحكيم ” وآخرين.
ما هو دور الفنان في وقتنا الحالي ؟
المسرح يجمع الصوت والحركة والايقاع والرقص والانارة والرسم والغناء . المسرح يلعب دور في توعية الانسان .. وحل المشاكل العميقة للمجتمع ..ومشكلات الانسان اليومية .والالتقاء مع المجتمعات الانسانية في العالم كله وتقدم المجتمع .
لماذا انصرف الجمهور عن المسرح ؟
العلاقة بين الحاكم والفنان خطيرة فاذا لم يكن هناك تواصل بين الاثنين فالجمهور يتراجع .. عندما لا يحتضن الحاكم الفنان ولا يشجعه فان الجمهور يتراجع وهذه تؤكد الصلة بين تكوينات المجتمع .
كيف التقيت بجمهور الشارقة ؟
جئت بدعوة من سمو الحاكم بعد ان اهديته كتابي ، وما ادهشني ان أهدي كتاب لمسئول ولاينساك .. وصاحب السمو ذلك الانسان المبدع المثقف لا ينسي كل من ساهم بدور في الثقافية العربية .قدمت في الملتقي الخامس للمسرح ندوة عن تجربتي في مسرح العراق ، وقدمت ملحمة “جلجامش” في قصر الثقافة بالشارقة .
رؤيتك المستقبلية عن المسرح العربي بشكل عام ؟
الفنان العربي في كل مجالاته يعاني كثيرا كالمرأة العربية والمثقف العربي .. نحن بحاجة الي منبر حر والي تشجيع دائم .. العالم عندي هو مسرح .. اعمل في كل مكان .نحن مليئون بالاحلام اقدم اعمالي للعرب والغرب حيث تلتقي حضارة سومر والفراعنة بالحضارة الغربية ، اقدم جلجامش تحت سفح الهرم او امام متحف اللوفر ، وفي اجمل اماكن العالم ..نريد ان نثبت للعالم قدرات الفنان العربي علي ايصال هذا الفكر العظيم.. واننا لسنا بحاجة الي ان تاتي قنابل من الخارج لنتطور .. نريد ان نظهر تراثنا من” الف ليلة وليلة ” وحضارة مصر والنيل والاهرام الي العالم .. لسنا ارهابيين نحن شعوب متطورة .. لدينا ثقافة وعلم وحب .
متي بدأت تجربتك الفنية ؟
اعشق التمثيل وعمري سبع سنوات في الاذاعة ، مثلت علي خشبة المسرح في العراق وعمري ثلاثة عشر عاما .. اعشق التمثيل بجنون .. واقدم ادوار صعبة واتحدي نفسي دائما .. لانه من الضروري ان نتطور .استفيد من ملاحظات الاصدقاء.من الخطورة ان يعيد الفنان نفسه ويظل فوتوكوبي للعمل . الفنان يجب ان يتطور وينهل ويستفيد ويعيد الكتابة . الكاتب جوجول كتب يوميات مجنون عدة مرات ..
المسرح قضية حب وعشق .. المسرح كالمطر كحضن الام والوطن .. نوع من القدسية ان لم يكن هناك حب لم يكن هناك مسرح وينتهي الفنان .. يجب ان يعشق ما يقوم به حتي يحدث هذا الجمال .







